السياسة الناعمة الروسية في الشرق الأوسط: “كونوا معنا – وابقوا كما أنتم”

لطالما أُثيرت مناقشات حول القوة الناعمة لبلد ما بسبب أزمات السياسة الخارجية أو الحاجة الملحة لتجديد المؤسسات المسؤولة عن تصميم مثل هذه القوة. ويعد الجدل حول فعالية القوة الناعمة الروسية في "الشرق الأوسط" في دوائر الصحافة والمختصين مؤخرًا مثالًا على كليهما. ويتضح أن الإنجازات النظرية للباحثين الروس والأجانب في مجال القوة الناعمة الروسية في "الشرق الأوسط" غير قابلة للتطبيق دائمًا، فالعديد من الذين تستهويهم القوة الناعمة والدبلوماسية العامة يمتلكون فهمًا نظريًا عن كيفية عمل هذه الأمور في الشؤون الخارجية، بل ويقدمون توصيات فعالة للوكالات المختصة، لكن القوة الناعمة الروسية – إذا صدق منتقدوها -ماتزال بحاجة للمزيد قبل أن يشتد عودها.

وتوصف التجربة الأمريكية بأنها "الحل السحري" الذي يُقْتَرح كثيرًا لحل مشاكل روسيا في هذا المجال، لكن الممارسات الأميركية غالبًا ما تنجح إلى حد ما في تعزيز المصالح القومية الأميركية وتلميع صورتها، وتبدو هذه الحقيقة منقوصة أيضًا: فليس كل ما يفعله الأميركيون (وخاصة في "الشرق الأوسط") فعّالاً، وليس كل شيء متاحًا أو ملائمًا لروسيا. ومع ذلك إذا كانت روسيا راغبة في إجراء مراجعة نوعية لنُهُجِها الخاصة، فعليها أن تدرس بشكل مستفيض وحاسم تجربة الولايات المتحدة في تصميم القوة الناعمة في "الشرق الأوسط".

جدلية البلد والدولة: القوة الناعمة الأمريكية في الشرق الأوسط

لا تختلف أدوات سياسة القوة الناعمة التي تستعملها الولايات المتحدة في "الشرق الأوسط" كثيرًا عن غيرها في مناطق أخرى؛ فهي تقوم على تغريب النخب، وبرامج التبادل التعليمي والثقافي، ودعم المجتمع المدني وبعض وسائل الإعلام، والترويج للغة الإنجليزية وثقافة الشعب الأميركي. ونظرًا للخصائص الإقليمية المتنوعة في "الشرق الأوسط"، يتعين على الولايات المتحدة أن تعمل على تنويع كيفية التعامل مع كل منطقة وبلد بعينه.

من المفاهيم التي كان على الأمريكيين أن يأخذوها في الاعتبار على مدى سنوات عديدة من العمل في المنطقة مفهوم "جدلية البلد والدولة: ففي حين يرفض سكان المنطقة سياسة الحكومة الأميركية، فهم يقبلون بسهولة التعليم والثقافة والمنتجات التجارية الأميركية. وهناك، بالطبع، العديد من الخلفيات التي تدعم هذه الصيغة عمليًا: فعادة ما تعزز الحملات العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة أو تَفاقُم التوترات العربية "الإسرائيلية" المشاعر المعادية لأميركا من جانب عامة الناس في العديد من مجتمعات "الشرق الأوسط". وفي مثل هذه الحالات، ينعكس رفض السياسة الأمريكية على الصور الثقافية المرتبطة بها، فيحطم المنزعجون من السياسة الأميركية نوافذ مطاعم ماكدونالدز، أو يحرقون العلم الأمريكي، أو يظهرون روح التحد من خلال مقاطعة منتجات المشروبات الغازية الأميركية (وإن لم يكن لفترة طويلة).

وفي الجدلية نفسها، فإن القوة الصلبة الأمريكية تحد من تأثيرات القوة الناعمة. تستثمر حكومة الولايات المتحدة والصناديق التابعة لها المليارات في الدبلوماسية العامة والتبادلات التعليمية، وتنمية المجتمع المدني ووسائل الإعلام، لكن الأعمال العسكرية التي تقوم بها واشنطن كثيرًا ما تبطل جهودها في كسب تعاطف سكان المنطقة.

وتهدف الدبلوماسية العامة الأميركية في الشرق الأوسط إلى إظهار الولايات المتحدة بصورة جذابة، بوصفها مجتمعًا منفتحًا وحرًا وديمقراطيًا يتمتع بتكافؤ الفرص. وهي تسعى أيضًا إلى إقناع الفئات المستهدفة بأنها ليست العدو، بل إنها تساهم في تعزيز السلام والأمن الإقليميين. ونظرًا للخصائص الديمغرافية والاجتماعية والثقافية للمنطقة، تركز الولايات المتحدة على العمل مع الشباب بسبب حاجتها الكبيرة إلى خلق شريحة كبيرة على الأقل– إن لم يكن جيلًا بأكمله -من المتعاطفين مع الولايات المتحدة بين المفكرين في مختلف المجالات والمهن، الذين قد يصبحون قادة الرأي العام في المستقبل، وليس من الضروري أن يكون هؤلاء موالين لها بقدر ما يكونون متعاطفين، وهو ما قد يضمن قدراً أقل من المقاومة "اجتماعيًا". ولا يوجد بالطبع ارتباط مباشر بين "التعاطف "و" عدم المقاومة " ويمكن أن يكون ذلك أكثر تعقيدًا عمليًا. هذا هو هدف التقنيات المستخدمة في الدبلوماسية العامة الأمريكية؛ إلا أن نجاحها سيتوقف على المتلقي المعني.

بدت هذه الخصائص في سياسة القوة الناعمة الأميركية أكثر أهمية قبل وصول دونالد ترامب إلى المكتب البيضاوي، رغم أن سياسة أسلافه تضمنت بالفعل بعض العيوب من ناحية فعالية القوة الناعمة الأميركية.

وقد ناقش الخبراء في الولايات المتحدة بجدية مسألة "لماذا يكرهوننا؟" بعد مأساة 11 أيلول، 2001. وحددت أسباب الكراهية حينها "بالعمل التبشيري التطفلي" و "الإصرار على فرض المثل العليا،" لكن بعد أقل من عامين من ذلك، قررت إدارة جورج بوش الابن غزو العراق. وبعد ذلك احتاجت الولايات المتحدة لسبعة عشر عامًا، حدثت في أثنائها بعض المغامرات العسكرية غير الناجحة لها والكارثية على المنطقة، لتتأكد أخيرًا أن مثل هذه النُهُج لا تولد إلا الرفض والمقاومة.

منح انتخاب باراك أوباما عام 2008 الولايات المتحدة الفرصة لغزو الشرق الأوسط ــ وخاصة شبابه ــ بأساليب غير عسكرية. وكانت الصورة التي رسمها باراك أوباما بوصفه "على النقيض من بوش" وخطابه الشهير في القاهرة، من بين أمور أخرى، قد أعطت الأمل في تغير السياسة الأميركية في المنطقة. بيد أن كل هذه الآمال ذهبت أدراج الرياح بفعل الربيع العربي، والحملة العسكرية التي شنها حلف الناتو في ليبيا، وتذبذبات السياسة الأميركية في سوريا والعراق، فقد تولد شعورٌ لدى البعض أن أوباما كان عاجزًا عن مقاومة التقليد الأميركي المتمثل في استبدال "الأولاد الأشرار" بالقوة. ولم تساعد خدعة القيادة من الخلف في ليبيا في هذا الصدد أيضًا: فقد تورطت الولايات المتحدة، إلى جانب فرنسا وبريطانيا العظمى، على حد سواء في الإطاحة بمعمر القذافي، بل إن آخرين، على العكس من ذلك، أصيبوا بخيبة أمل بسبب تصورهم أن أوباما لم يبدِ عزمًا كافيًا على دعم جماعات المعارضة والمتمردين. وبشكل أو بآخر، اهتزت صورة الولايات المتحدة في المنطقة، بسبب تراجع الثقة فيها وتقوض مفهوم "مصداقيتها". واشتدت خيبة الأمل في أثناء الولاية الثانية لهذا الرئيس الديمقراطي، عندما أصبح حلفاء الولايات المتحدة التقليديون في المنطقة، "إسرائيل" والملكيات العربية في الخليج "الفارسي"، أيضًا غير راضين عن سياسات أوباما، بما في ذلك موقفه من إيران.

ذهب ترامب في الاتجاه المعاكس نوعًا ما، فحملته ضد إيران جعلت "الإسرائيليين" والسعوديين أكثر تفاؤلًا. ويحظى هذا الرئيس الأميركي بشعبية كبيرة في "إسرائيل"، ووجدت منطقة الخليج أيضًا نهجًا شبه تجاري في التفاوض معه. واليوم تفضل الولايات المتحدة "خنق" الأنظمة البغيضة في الشرق الأوسط بفرض العقوبات عليها بدلًا من الإطاحة بحكامها من خلال الضرب بسيف المؤسسة العسكرية. والواقع أن هذه العملية تستغرق وقتًا أطول لكنها أقل إيلامًا من حيث التصور العام، وهذا يعني أنها تتناسق بشكل أكبر مع النفوذ الناعم.

يشبه موقف دونالد ترامب تجاه رسم سياسة القوة الناعمة إلى حد ما فلسفة القبعات الخضر في أثناء حرب فيتنام: فقد اختلف أولئك العسكر مع توجيه الرئيس ليندون جونسون "لكسب قلوب وعقول" العدو وأطلقوا شعارًا مازحًا نوعًا ما: " لا يخرج الزيت إلا بقوة العصر."

وفي الوقت نفسه، فإن صورة "أمريكا الترامبية" التي ابتدعتها المنشورات الليبرالية السائدة في الولايات المتحدة كل يوم، وسلوك وقرارات الرئيس نفسه، وتبنيه سياسة الحظر ضد المسلمين، وصورته كعدو للمسلمين وصديق لإسرائيل، ساهمت كثيرًا في تقويض عناصر التصور الإيجابي الذي ساد بين سكان المنطقة لعقود.

تؤدي هذه العوامل، بالإضافة إلى التذبذبات السياسية للولايات المتحدة في المنطقة في السنوات الأخيرة، إلى تضخيم المشاعر المعادية لأميركا. ورغم ذلك فإن العديد في المنطقة – نتيجة لعقود من العمل الجاد الأمريكي في مجال النفوذ الناعم – لم يديروا ظهورهم بالكامل للولايات المتحدة، وهي ما تزال أكثر الشركاء الذي يتوقون لطلب وده، فهم ببساطة يتوقعون المزيد من أميركا ذاتها، حتى ولو لم يفصلوا بوضوح دائمًا عما يعنيه "المزيد"، ولم تكن أميركا متأكدة أنها راغبة في تقديم هذا "المزيد".

وتعيد الولايات المتحدة اليوم تحديد مكان الشرق الأوسط ضمن أولويات سياستها الخارجية في أثناء إعادة النظر في دورها العالمي بشكل عام، إذ يجري حاليًا التخلص تدريجيًا من العديد من برامج القوة الناعمة التي نجحت لعقود من الزمان، وتحويل أدوات القوة الناعمة التقليدية في الولايات المتحدة إلى "سلاح" لألحاق الضرر، والسلطات الأميركية لا تجد حرجًا على نحو متزايد بتمويه بعض المبادرات باعتبارات" بناء مجتمع منفتح ".على سبيل المثال، طلب الكونجرس عام 2018 من إذاعة صوت أميركا التي تمولها الولايات المتحدة أن تجعل تغطيتها للسياسة الإيرانية أكثر عدوانية وانتقادًا. وفي هذا السياق، نشهد الآن بزوغ حقبة جديدة من الدبلوماسية العامة الأميركية، بما في ذلك في الشرق الأوسط. وكما هي العادة في الدبلوماسية العامة، فإن نتائج ما يقوم به الأميركيون (أو مالا يقومون به) الآن لن تتجلى إلا في السنوات العديدة القادمة.

 

الشرق الأوسط في مرحلة "ما بعد سوريا:" هل هو فرصة لروسيا؟

دفع تراجع ثقة نخب المنطقة في إدارة أوباما وفي قدرة الولايات المتحدة بالعديد من الحكومات في المنطقة إلى تغيير نظرتها إلى أميركا بوصفها الدولة التي لا يشق لها غبار، رغم أنها تظل اللاعب الخارجي الأكثر نفوذًا. وقد عززت "عودة" روسيا إلى "الشرق الأوسط" من مكانتها، إلا أنها لم تتحرك في هذا الاتجاه.

لم تحل روسيا محل الولايات المتحدة في المنطقة، رغم أن هذا قد يكون التصور بعد نجاح الحملة الروسية في سوريا. والواقع أن التواجد الحالي لموسكو في المنطقة كثيرًا ما يقدم استجابة أكثر سرعةً وإقناعًا، ويرسم صورة "مشغلٍ أكثر سلاسة." ومع ذلك، فإن الأوهام المتهورة في أعقاب الانتصار يمكن أن تعيد روسيا إلى المربع الأول. وتحاول العديد من حكومات المنطقة استغلال التنافس بين روسيا والولايات المتحدة لتحقيق مصالحها الخاصة، فهي كثيرًا ما تلعب بورقة روسيا على الطاولة مع واشنطن.

وتقدم مشاركة روسيا في الصراع السوري خلفية واضحة يجري على أساسها تقييم أجندة القوة الناعمة الأميركية في المنطقة اليوم، إذ تمعن الدوائر السياسية الغربية النظر في أزمة نموذجها الأميركي وصورة الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة من خلال الدخول في مناقشة نقدية للدور المتنامي الذي تلعبه روسيا في "الشرق الأوسط" مقارنة "بذبول" النفوذ الأميركي، وتبعث بنداء ضمني إلى النخب الأميركية للقيام بما يلزم لتحديث هذا النموذج.

وفي المقابل، تتجه سياسة روسيا الخارجية تدريجيًا نحو مرحلة "ما بعد سوريا" في الشرق الأوسط، وإلى مرحلة "ما بعد العسكرة" في سوريا نفسها. وتنتشر أسئلة مثل "موسكو انتصرت في الحرب السورية، لكن هل يمكنها كسب العالم؟" على جميع منتديات الحوار الغربية والعديد منها في روسيا. والواقع أن بإمكان روسيا الاستثمار في صورة "اللاعب القوي،" لكن تحويل نفسها إلى "قوة راعية" هو شيء آخر.

وتبرز بعض الملامح الاستراتيجية لاستغلال روسيا لصورة " اللاعب القوي،" مثل زيادة عقود توريد الأسلحة، وإقامة تعاون عسكري وتقني مع عدة بلدان في "الشرق الأوسط" وشمال أفريقيا، وتظاهرها كوسيط في مناطق الصراع الرئيسة، وما إلى ذلك. وهي تبرز صورة " القوة الراعية" من خلال القيام بحملات فردية، مثل تسليم المساعدات الإنسانية إلى الدول التي تعاني من جائحة كوفيد-19 (Covid-19)؛ لكن تنظيم جهود القوة الناعمة يحتاج إلى أسلوب أكثر منهجية.

وفي غضون ذلك، تبرز أهمية أن تظهر روسيا قدرة متساوية على شن الحروب وإحلال السلام. وبالمعنى الأوسع، فإن هذه القدرة تمثل اختبارًا لتجنب الفخ ذاته "لجدلية البلد والدولة"، إذ أن صورة روسيا المتوحشة وهي تقصف المستشفيات التي يزرعها منافسوها الجيوسياسيون تتسبب في إبطال الجهود التي تبذلها لرسم سياسة قوتها الناعمة.

"كونوا معنا –وابقوا كما أنتم": مبادئ القوة الناعمة الروسية

ينبغي أن يبدأ تفصيل أهداف القوة الناعمة في السياسة الخارجية الروسية والأدوات اللازمة لتحقيقها بشيئين على الأقل. أولًا، ينبغي تحديد سقف منخفض للتوقعات، ولا سيما على المدى القريب. وثانيًا، تحديد القيود الموضوعية.

من الواضح أن روسيا تفتقر إلى القدرة على تنظيم برامج تبادل مماثلة لتلك التي تقدمها الولايات المتحدة، لكنها قادرة ــ ولديها الخبرة المناسبة ــ على فتح سوق التعليم لديها، وخاصة في تخصصات استراتيجية محددة، أمام الشباب الواعدين في الشرق الأوسط. ويمكن أن يشمل ذلك أشكالًا مختلفة لمساعدتهم على الدارسة في روسيا، ثم يليها دعم وظيفي في الوطن، فالجامعات الغربية ليست الوحيدة دائمًا التي تصنع نخب الغد في المنطقة.

وليس من المجدي كثيرًا الاعتماد على إضفاء الطابع الثقافي الروسي على شرائح واسعة من السكان في بلد آخر؛ لأن الثقافة الروسية بطبيعتها "نخبوية" بشكل أكبر من الثقافة الشعبية الأميركية، فمنتجات الثقافة الشعبية الأمريكية موجهة سلفًا إلى شرائح متنوعة من السكان ومستساغة تقريبًا في كل أنحاء العالم. ويستعمل الأميركيون أيضًا أدوات أخرى، مثل تأثيرهم في الاقتصاد الدولي وقدرتهم على تسويق العلامات التجارية بشكل صحيح وجذاب، إما من خلال توفير إمكانية الوصول والبساطة أو، عند الاقتضاء، تنحية الآخرين جانبًا. وربما من المنطقي تبني بعض هذه الحيل؟

وتَبْرُز الحاجة إلى تغيير النهج المتبع في تنظيم المراكز العلمية والثقافية الروسية في الخارج؛ لأن "اللمسة السوفيتية" سيئة الصيت لا تستطيع منافسة ما يقدمه الأميركيون والأوروبيون، أو حتى الأتراك لسكان المنطقة. وإذا افترضنا أن الخصائص التقليدية الروسية تعكس حنين بعض المسؤولين والدبلوماسيين الروس إلى الماضي السوفيتي، فمن غير المتوقع أن تشاطرهم دولة أخرى هذا الحنين. إن القوة الناعمة ليست وسيلة للحفاظ على القصور التاريخي بل هي فرصة لتوجيه الشباب المتحمس، الذين سيغدون قادة الرأي العام في بلدانهم، إلى تبني المتطلبات الحتمية الصحيحة.

وتتجنب المناقشات الدائرة حول موارد القوة الناعمة عمومًا الحديث عن المسلمات: فالأساس الذي تقوم عليه القوة الناعمة يستند أولاً إلى مدى نجاحها في الداخل. ومن الصعب أن ندعو إلى مواجهة الفوضى والظلم في العلاقات الدولية قبل تحقيق انتصارات واضحة على علل اجتماعية مماثلة على الجبهة الداخلية. وليس من السهل حمل الأمم والمجتمعات على احتضان ثقافتك ولغتك وتعليمك، بينما تتغاضى عن انحطاطها في الوطن، سواء كان ذلك عمدًا أو إهمالًا. ولا يمكنك أن تتوقع من طرف ثالث أن يعتمد "رموز التفكير" الخاصة بك إذا كان موقفك السائد هو "مطاردة اللحظة"، عندما يكون همك أن تنفق من الميزانية لحذف حدث من القائمة. ومن بين الأسباب التي ساهمت بشكل كبير في تكرار "دبلوماسية بالالايكا الروسية" في السياسة الخارجية أنها نمطية وبالتالي مفهومة، ويُنظَر إليها بوصفها طريقة سريعة ومريحة ومن المفترض أنها فعّالة (ولو أنها ليست رخيصة دائمًا) في إنجاز المهام.

ومن المهم إدراك أن معظم النخب وعامة الناس في "الشرق الأوسط" يستمدون انطباعاتهم عن روسيا وتقييمات سياستها الخارجية من تقارير وسائل الإعلام الغربية والمواد التي تقدمها مراكز الأبحاث البريطانية والأمريكية. ومنذ انهيار الاتحاد السوفياتي، أصبح الدعم في مجال المعلومات في السياسة الخارجية واحدًا من أكثر المجالات التي تشوبها العيوب، إلا أنه بدأت تظهر في السنوات الأخيرة مؤسسات روسية قادرة نوعًا ما على تعويض خسائر موسكو السياسية والضرر الذي لحق بسمعتها على مدى العقود الماضية، من خلال تناول السياسة الروسية بشكل مباشر، وتقديم الرواية الروسية من دون التشويه الذي تروجه الدعاية الأجنبية، وجذب المزيد من المتابعين للشأن الروسي في "الشرق الأوسط".

وفي هذا المجال، من بين مجالات أخرى، من المهم اختيار استراتيجية التواصل الصحيحة حسب كل حالة على حدة: ففي بعض الأحيان تحتاج روسيا إلى خلق وترسيخ صورتها الإيجابية (سوريا ومصر)، وفي أحيان أخرى يتعين عليها تحسين صورتها (سوريا، والملكيات العربية في الخليج "الفارسي")، وفي أحيان أخرى ما يزال يتعين عليها "إعادة تقديم الرموز" السوفييتية أو الإمبريالية (العراق، وإيران، والجزائر).

والمجال الإنساني هو وسيلة أخرى معقدة لها وقعها العاطفي في قلوب الجمهور المستهدف، لكن الخوض في هذا المجال لا يستحق العناء إذا كان جل تركيز الدبلوماسية العامة الروسية يقع على العلاقات العامة السريعة وقصيرة الأجل. ومع ذلك، ففي وضع تحرم فيه بعض القوى المنظمات الدولية الهامة من التمويل بينما تستغل دول أخرى الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها الدول الأخرى لشراء أصولها من أجل التعمق في بنيتها الاقتصادية والسياسية، فإن العمل في هذا الاتجاه يمكن أن يطور صورة "القوة الراعية،" ويمثل فرصة لإشباع البعد الإنساني في العلاقات بين البلد المانح وسكان البلد المتلقي. ويوجد الآن فهم لكيفية بناء السياسة الإنسانية في هذا الاتجاه بشكل صحيح، ومن المهم الحفاظ على هذا الدافع وتوجيهه في الاتجاه الصحيح عمليًا.

وأخيرًا، تتلخص الانتقادات المتكررة لروسيا في عملية رسم سياسة قوتها الناعمة في افتقارها إلى أي إيديولوجية واضحة في السياسة الخارجية. ويعتقد الذين يخالفون هذا الرأي أن روسيا لديها إيديولوجية مشابهة بشكل كبير للغرضين التاليين: فالبعض يرون أنها "محافظة"، ويراها البعض الآخر "براجماتية بحتة"، وكلا الإيديولوجيتين صالحتين للتطبيق في الشرق الأوسط. ويقف آخرون على النقيض من ذلك كله من خلال قناعتهم بأن الإيديولوجية الروسية تفند بلا داعٍ حرية مناورة السياسة الخارجية، ويتحدثون عن الحاجة إلى "فكرة واحدة كبيرة" قادرة على "إرساء" استراتيجية السياسة الخارجية بالكامل. ويُفترض أن روسيا تفتقر إلى مثل هذه الفكرة، في حين تمتلكها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين وتركيا وإيران. وإذا كان لسان حال سياسة القوة الناعمة التي تنتهجها الولايات المتحدة يقول: "افعلوا كما نفعل ــ وأصبحوا مثلنا"، ومنطق الاتحاد الأوروبي يقول: "افعلوا كما نفعل ــ وكونوا معنا،" فإن نشاط روسيا لسنوات عديدة في الشرق الأوسط قد يسمح لنا اليوم بصياغة الفكرة التالية: " كونوا معنا ــ وابقوا كما أنتم." وتعكس هذه الفكرة مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول الشرق الأوسط من جهة، والتوجه إلى التعاون من جهة أخرى دون التعدي على تقاليد هذه البلدان وقيمها وثقافتها ونظمها السياسية.

وبصفة عامة، تكون القوة الناعمة غالبًا أقل تكلفة من القوة "الصلبة" وتعتمد إلى حد كبير على نوعية الوكلاء المحليين، وعلى عكس العقود العسكرية، فإنها لا تحقق ربحًا سريعًا، لكن الاستثمار فيها مقوم بعملة مختلفة: الناس، وولاؤهم وامتنانهم (حتى لو لم يتم التعبير عن ذلك)، وقبولهم لروايتك، ورؤيتك للمستقبل (إن وجدت)، "ورمز التفكير" لكيفية جعل هذا المستقبل حقيقيًا. وإذا توفرت كل هذه المقومات، فإن تصميم سياسة القوة الناعمة يمكن أن يكون استثمارًا قيمًا طويل الأجل.

 

عنوان المقال الأصلي : Russia in the Middle East: “Be with Us – and Remain Yourself”
اسم الكاتب : Maxim Suchkov
مكان وتاريخ النشر:Modern Diplomacy / July 6, 2020
ترجمة: وحدة الترجمة والتعريب / أ. فراس أبو عدل
رابط المقال الأصلي: https://moderndiplomacy.eu/2020/07/06/russia-in-the-middle-east-be-with-us-and-remain-yourself/

 

 

 

عن ekrammasri93

شاهد أيضاً

روسيا… سجل أسود في التجويع ومنع وصول المساعدات الإنسانية

تمتلك روسيا سجلاً أسود في تاريخ منع المساعدات الإنسانية في الكثير من الأزمات الدولية التي …